عبد الكريم الخطيب

962

التفسير القرآنى للقرآن

والمراد بميراثهم الأرض ، أنهم هم الذين ينتفعون بحياتهم فيها ، ويتزودون فيها الزاد الطيب ، الذي يلقونه يوم القيامة ، فيكون لهم مطية يجوزون بها النار إلى الجنة ، حيث ينعمون بنعيمها الخالد . . فهذا كلّ ما يجنى من ثمر ، وما يحصل من خير في هذه الدنيا ، وهو الذي يستحقّ أن يسمى ميراثا . . أما غير المؤمنين ، فإنهم مهما ملكوا من هذه الدنيا ، ومهما وقع لأيديهم منها من مال ، وجاه ، وسلطان - فلن يكون لهم من هذا شئ في حياتهم الآخرة ، بل سيكون عليهم وبالا وحسرة ، على حين تمر بهم حياتهم الدنيا ، وكأنها ضحوة يوم أو عشيته . . « كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها » . ( 46 : النازعات ) . فالمراد بالميراث هنا ، الميراث النافع ، الذي يبقى لما بعد الموت ، حيث يجده الإنسان ، وكأنه في حياته الثانية ، قد ورث حياته الأولى . . أو كأنه هذا الحىّ في الآخرة ، الذي ورث هذا الميت الذي كان في الدنيا . . وهذا هو بعض السرّ في التعبير بكلمة « يَرِثُها » . . قوله تعالى : « إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ » . . أي إن في هذا الذي تحدّث به القرآن الكريم من قصص ، وما فيه من عبر - لبلاغا ، أي لبيانا كاشفا شافيا . . أو أن في هذا الحكم الذي ضمّت عليه الآية الكريمة : « وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ . . » - إن في هذا لبيانا مبينا وحجة قاطعة ، يتلقى منها العابدون العبرة والعظة . والمراد بالعابدين ، المؤمنون ، وقد ذكروا بالصفة الغالبة عليهم ، وهي التعبد للّه ، والولاء له . . فلا يكون المؤمن مؤمنا إلا إذا عبد اللّه ، وذكره ، ذكرا متصلا . .